محمد ثناء الله المظهري

50

التفسير المظهرى

المستثنى في حكم المسكوت عنه والاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنيا إذ لو كان كذلك لما جاز نسخ المنطوق بالمسكوت وقوله عملا صالحا منصوب على المفعولية أو المصدرية فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ فذهب جماعة إلى أن المراد ان يمحو اللّه سوابق معاصيهم بالتوبة وثبت مكانها لواحق طاعتهم أو يبدل اللّه في الدنيا ملكة المعصية في النفس بملكة الطاعة ويوفقه لاضداد ما سلف منهم من المعاصي وهذا معنى ما قال ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير ومجاهد والضحاك والسدى يبدل الله بقبائح ما عملوا في الشرك محاسن الأعمال في الإسلام فيبدل اللّه لهم بالشرك التوحيد وبقتل المؤمنين قتل المشركين المحاربين وبالزنى عفة واحصانا وذهب جماعة إلى أن المراد ان اللّه تعالى يبدل سيئاتهم التي عملوها في الإسلام حسنات يوم القيامة تفضلا وهو قول سعيد بن المسيب ومكحول وعائشة وأبي هريرة وسلمان رضى اللّه عنهم أجمعين ويؤيده حديث أبى ذر قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال اعرضوا صغائر ذنوبه فتعرض عليه صغائرها وتخبأ كبائرها فيقال أعملت كذا وكذا وهو يقرّ ليس ينكر وهو مشفق من الكبائر فيقال أعطوه مكان كل سيئة حسنة فيقول ان لي ذنوبا لا أراها هاهنا فلقد رايت رسول اللّه ضحك حتى بدت نواجذه رواه مسلم واخرج ابن أبي حاتم عن سلمان قال يعطى رجل يوم القيامة صحيفة فيقرا أعلاها فإذا يكاد ليسوء ظنه نظر في أسفلها فإذا حسناته ثم ينظر في أعلاها فإذا هي قد بدّلت حسنات واخرج أيضا عن أبي هريرة رضى اللّه عنه قال ليأتينّ اللّه بناس يوم القيامة ودوا انهم أكثروا من السيئات قيل من هم قال الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات فان قيل كيف يتصور تبديل السيئة على هذا المعنى بالحسنة وكيف يثاب على السيئة فان السيئة امر مكروه غير مرضى الله تعالى فكيف يتصور كونه مرضيّا له تعالى فان الله لا يرضى لعباده الكفر والعصيان قلت توجيه ذلك عندي بوجهين أحدهما ان عباد الله الصالحين كلما صدر عنهم ما كتب اللّه عليهم من العصيان ندموا غاية الندم واستحقروا أنفسهم غاية الاستحقار والتجئوا إلى اللّه تعالى كمال الالتجاء وخافوا عذاب اللّه مع رجاء المغفرة فاستغفروه حتى صاروا مهبطا لكمال الرحمة بحيث لو لم يذنبوا لم يصيروا بهذه المثابة فعلى هذا صار عصيانهم الذي كان سببا للعقاب سببا للثواب ولو بتوسط الندم والتوبة من هاهنا قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والّذى نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء يقوم يذنبون فيستغفرون اللّه ويغفر لهم